الشيخ محمد رشيد رضا

15

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قلبك بمواقع الخلاف ما لم تفرغ عن جميع المتفق عليه . فقد اتفقت الأمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع ، وأن الكسب الحرام والمال الحرام والنميمة والزنا والسرقة والخيانة وغير ذلك من المحظورات حرام ، والفرائض كلها واجبة فان فرغت من جميعها علمتك طريق الخلاص من الخلاف . فان هو طالبنى بها قبل الفراغ من هذا فهو جدلى وليس بعامى . أفرأيت رفقاءك قد فرغوا من جميع هذا ثم أخذ إشكال الخلاف بمخنقهم ؟ هيهات ما أشبه ضعف عقولهم في خلافهم إلا بعقل مريض به مرض أشرف به على الموت وله علاج متفق عليه بين الأطباء وهو يقول : قد اختلف الأطباء في بعض الأدوية أنها حارة أو باردة وربما افتقرت إليه يوما فأنا لا أعالج نفسي حتى أجد من يعلمني رفع الخلاف فيه » الخ ما أطال به وقد فهم مما ذكرنا رأيه في الخواص وكيف يعالجهم بموازين البراهين وفي أهل الجدل وقد ذكر أن جدالهم يكون بمثل ما في كتب الكلام وأن المتعنت الذي يبغى بجدله فتنة العوام ليس له إلا الحديد أي قوة السلطان الذي يمنع بعض الناس من فتنة بعض * * * ( 254 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ بعد أن ذكرنا اللّه تعالى بالرسل وما كان من أقوامهم بعدهم من الاختلاف والاقتتال ، عاد إلى أمرنا بالانفاق بأسلوب آخر كما تقدم التنبيه في تفسير الآية السابقة . هنالك يقول « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ » وقد نبهنا على ما في هذا الخطاب من اللطف والبلاغة . وأزيد هنا أن هذا اللطف إنما يفعل فعله ويبلغ نهاية تأثيره فيمن بلغ في الايمان إلى عين اليقين ، وعرج في الكمال إلى منازل الصديقين ، ولطف وجدانه وشعوره ، وتألق ضياؤه ونوره ، وما كل المؤمنين يدرجون في هذه المدارج ، أو يرتقون على هذه المعارج ، فالأكثرون منهم يفعل في نفوسهم الترهيب ، ما لا يفعل الترغيب ، فهم لا ينفقون في سبيل اللّه إلا خوفا من عقابه ، أو طمعا في ثوابه . وقد يعرض للضعفاء من هؤلاء الغرور بشفاعة تغنى . هنالك عن العمل ، أو فدية تقى صاحبها عاقبة ما كان عليه من الزلل ، فأمثال